ابن عجيبة
515
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولمّا كان الحسد والبخل رذيلتين متناهيتين في الذم وصفهم الحق - تعالى - أيضا به « 1 » ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 54 إلى 57 ] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) قلت : ( أم ) بمعنى بل ، و ( سعيرا ) تمييز . يقول الحق جل جلاله توبيخا لليهود على الحسد : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ، أي : العرب حيث انتقلت النبوة إليهم ، وقد كانت في أسلافهم ، عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وهو ظهور النبوة فيهم ، أو رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه اجتمع فيه ما افترق في سائر الناس ، حسدوه على ما آتاه الله من فضله ، من النبوة وغيرها ، وقالوا - لعنهم الله - : ماله همّ إلا النساء ، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء . فكذّبهم الله - تعالى - وردّ عليهم بقوله : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ وهم : يوسف وداود وسليمان ، الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي : النبوة ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ، فقد اجتمع لداود عليه السّلام مائة امرأة . ولسليمان - عليه السّلام - ألف امرأة : ثلاثمائة مهيرة ، - أي بالمهر - وسبعمائة سرية ، فقال لهم - عليه الصلاة والسلام - حين نزلت الآية : ألف امرأة عند رجل ، ومائة امرأة عند آخر ، أكثر من تسع نسوة ، فسكتوا « 2 » . فَمِنْهُمْ أي : اليهود ، مَنْ آمَنَ بِهِ أي : بمحمد - عليه الصلاة والسلام - كعبد الله بن سلام وأصحابه ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أي : أعرض عنه ، أو : من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ، ومنهم من صد عنه ، ولم يكن في ذلك توهين لقدر إبراهيم ، فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك ، أو : من أسلافهم من آمن بما أوتى آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك ، ومنهم من صد عنه ، كما فعلوا مع سليمان وغيره . وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً لمن كفر بما جاء به أحد من الرسل ، أي : فإن لم يعاجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم .
--> ( 1 ) أي بالحسد ، فقد ذكر البخل في الآية السابقة . ( 2 ) راجع تفسير البغوي .